سيد محمد طنطاوي
223
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فالتقييد بقوله * ( بِإِذْنِه ) * لبيان أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يدع الناس إلى ما دعاهم إليه من وجوب إخلاص العبادة له - سبحانه - ، من تلقاء نفسه ، وإنما دعاهم إلى ذلك بأمر اللَّه - تعالى - وإذنه ومشيئته ، وللإشارة إلى أن هذه الدعوة لا تؤتى ثمارها المرجوة منها إلا إذا صاحبها إذن اللَّه - تعالى - للنفوس بقبولها . وقوله : * ( وسِراجاً مُنِيراً ) * معطوف على ما قبله . والسراج : المصباح الذي يستضاء به في الظلمات . أي : وأرسلناك - أيها الرسول الكريم - بالدين الحق ، لتكون كالسراج المنير الذي يهتدى به الضالون ، ويخرجون بسببه من الظلمات إلى النور . ووصف السراج بالإنارة ، لأن من المصابيح ما لا يضيء إذا لم يوجد به ما يضيئه من زيت أو ما يشبهه . قال صاحب الكشاف : جلى اللَّه - تعالى - بنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ظلمات الشرك ، فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به . أو أمد اللَّه بنور نبوته نور البصائر ، كما يمد بنور السراج نور الأبصار . ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه - أي : زيته - ودقت فتيلته . . « 1 » . وبعد أن وصف اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بهذه الصفات الكريمة ، اتبع ذلك بأمره بتبشير المؤمنين برضا اللَّه عنهم ، وبنهيه عن طاعة الكافرين ، فقال - تعالى - : * ( وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . . . ) * أي : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال الناس وإلى موقفهم من دعوتك . وبشر المؤمنين منهم * ( بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّه ) * - تعالى - * ( فَضْلًا كَبِيراً ) * أي : عطاء كبيرا ، وأجرا عظيما ، ومنزلة سامية بين الأمم . * ( ولا تُطِعِ الْكافِرِينَ والْمُنافِقِينَ ) * فيا يشيرون به عليك من ترك الناس وما يعبدون ، أو من عدم بيان ما هم عليه من باطل وجهل ، بل أثبت على ما أنت عليه من حق ، وامض في تبليغ دعوتك دون أن تخشى أحدا إلا اللَّه - تعالى - . * ( ودَعْ أَذاهُمْ ) * أي : ولا تبال بما ينزلونه بك من أذى ، بسبب دعوتك إياهم إلى ترك عبادة الأصنام والأوثان ، واصبر على ما يصيبك منهم حتى يحكم اللَّه - تعالى - بحكمه العادل بينك وبينهم .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 547 .